عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

32

معارج التفكر ودقائق التدبر

ولكن هذا لا يكون إلّا إذا سلبناه اختياره الحرّ ، وجعلناه مجبورا ، وهذا يتنافى مع وضع الإنسان في الحياة الدنيا موضع الابتلاء والامتحان . وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ : أي : ولكنّه اتّبع بإرادته الحرّة أهواءه وشهواته ، فأخلد إلى الأرض . أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ : أي : اطمأنّ عليها ، وسكن إليها ، ونزع من تصوّره قضيّة الإيمان باليوم الآخر ، ووجّه كلّ همّه للحياة الدّنيا على الأرض . وَاتَّبَعَ هَواهُ : أي : وإذ أخلد إلى الأرض والحياة الدّنيا فيها ، فلا بدّ له من أن يتّبع هواه ، لينال ما يصبو إليه من متاع الحياة الدّنيا ، وذلك لا يكون إلّا بمعصية اللّه ، والاستهانة بآياته المنزّلات . فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ : أي : فوصفه وهو يتّبع هواه في الحياة الدّنيا ، كوصف الكلب الّذي يظلّ لاهثا دواما ، لا ينتهي لهثه في كلّ أحواله . إنّ من يتّبع أهواء نفسه ، لا بدّ أن يستمرّ في كلّ أحواله كادّا لاهثا ، من جريه وراء مطالب نفسه الّتي تتجدّد دواما ، فكلّما حقّق مطلبا ، أو خاب في سعيه ، تجدّد في نفسه مطلب يطمع في تحقيقه ، فيسعى مجتهدا كادّا لاهثا في جريه ، طامعا في الحصول عليه ، مشوقا للظفر به ، فهو بسبب أهوائه ، وشهواته ، وشره نفسه لمتاع الحياة الدنيا ، لا يتوقّف عن الكدّ والكدح الذي يجعله لاهثا دواما . ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا . . . ( 176 ) . أي : ذلك الوصف المنحطّ السّافل ، البعيد عن مستوى التكريم الّذي كرّم اللّه به الإنسان ، هو أيضا وصف الّذين كذّبوا بآيات اللّه ابتداء ، دون أن يؤمنوا بها ، فتحيط بهم كجلودهم .